نحن والغرب والأحكام الخاطئة . َمضيتُ عدة أسابيع (خلال يناير وفبراير من العام الحالي) في الولايات المتحدة الأمريكية بدعوةٍ من عدة جامعات مرموقة. وليس هدف هذا المقال أَن أُوجز محاضراتي بهذه الجامعات أَو أَن أُلقى الضوءَ على الحواراتِ الطويلةِ التي أعقبتها- فمجال ذلك كتاب تقوم بإعداده حالياً إحدى الجامعات التي حاضرت بها وسيصدر متضمناً نصَ كل هذه المحاضرات والنص الحرفي للحوارات التي تلتها. أما هدفُ هذا المقال فهو تسجيل انطباعاتٍ جانبيةٍ كانت هذه الرحلة هي سببَ تشكيلها وتكاملها في ذهني كدروسٍ مستفادةٍ من رحلةٍ حاضرت فيها أمام أكثر من ألف إنسان هم زبدة العقول الأمريكية المعنية بالشرق الأوسط والدراسات المتعلقة بشئونه التاريخية والمعاصرة والمستقبلية من كافةِ الجوانبِ وسائرِ زواياِ البحثِ العلمي لا سيما في مجالاتِ العلوم الاجتماعية . وأوجز زبدة هذه الدروس في الملاحظاتِ الخمس التالية : أَولاً: بالنسبة للتواجد العربي في المراكز المؤثرة : والحديثُ هنا عن "المؤامرة" سذاجة مفرطة، فنحن أمام أسلوب وتخطيط علمي كامل لا ينظر إليه على أساس كونه "مؤامرة" وانما "خطة عمل" لا يمكن عمل "توازن استراتيجي مقابل لها" إلا بعملِ الفريقِِ أساليبِ البحثِ العلمي العصريةِ وتواصلِ الجهدِ واستعمالِ لغةِ ومفرداتِ العصرِ وكل ذلك غير متوفر لدى معظم أفراد الجانب العربي باستثناءات قليلة لأفرادٍ كان معظمُهم من عربِ إسرائيل أي من الفلسطينيين الذين لم يغادروا مدنهم منذ 1948 فقد وجدت أمثلةً من بين هؤلاء لما يجب أن يكون عليه حال العرب المشرذمين في تلك الجامعات ومراكز البحوث والذين يشكلون عدداً كبيراً من "الجزر المنعزلة" وسط "محيط واسع" . ومن أبرز هؤلاء الدكتور شبلي تلحمي وهو عربي من حيفا ويرأس قسم السادات بجامعةِ ميريلاند، والذي يلعب المباراة بأدواِتها وبمهارةٍ واضحةٍ ولمصلحةِ الجانبِ العربي ومع تأثيرٍ واضحِ على جهاتِ صنع القرار – ولا ينقصه إلا وجود مئات مثله – ولكنهم للأسف غيرُ موجودين، فالغالبية العظمي من العربِ بهذه الأماكن إما " سلبية" وإما تتكلم بديماجوجيةِ قناةِ الجزيرةِ وما يماثلها من إذاعاتٍ "لمعت" لدينا في الستينات وقادت ظاهرةَ تكوينِ العقلِ العربيِ (عند البعض) كظاهرةٍ خطابيةٍ في المقامِ الأول . ولا شك أنها مسؤوليةُ جامعةِ الدولِ العربية أن تدرس هذه الجزئية وأن تضع الأهدافَ والاستراتيجياتِ وبرامج العمل المطلوبة لإيجاد تأثيرٍ استراتيجي للتواجدِ العربي (المتوفر فعلاً) بهذه الجهاتِ – على ألاَّ تكون قاعدة انطلاق ذلك استمراراً للديماجوجية التي مزقت صورتنا في الغرب وجعلت فرص التعاطفِ مع غيرنا أعلى وأقوى بكثيرٍ لاستمرارنا في البعِد عن البحثِ العلمي في مجال العلوم الاجتماعية بأدواته العصرية ولإصرارنا عن أن نكون "جزراً منعزلة" تبارز العالم الخارجي بسيف الميكروفونات ومدفعية الديماجوجية التي قال نزار قباني عنها ذات يوم أنها (ما قتلت ذبابة) كما وصفه أيضاً بأنها تشبه (منطق الطبلة والربابة). ثانياً : بالنسبة لنظام التعليم : ثالثاً : بالنسبة للأوضاع الاقتصادية في مصر : إن مصَر (ما قبل 1952 ) كانت بها طبقةُُ وسطي على مستوي مرتفع للغايةِ وكانت تجمع ما بين كونها (مصريةً) وكونها (عصريةً) – ولكنها كانت طبقةً نحيلةً (من حيث العدد) بشكلٍ لا يمكن إنكاره . ولو أن هذه الطبقةَ كانت قد إتسعت لكان من الممكن أن تتواصل تجربة الليبرالية المصرية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ولكنها كانت طبقة ضئيلة بشكل كبير للغاية . إن تجربةَ القطاعِ العام في مصرَ لم تنجح لنفسِ سببِ عدمِ نجاحه في كل دولةٍ أخري أخذت به وهو أن القطاع العام ينتج (في أحسن الافتراضات) إدارة بمعنى Administration ولكنه لم ينجح قط في إنتاج إدارة بمعنى Management والفارق بينهما هو الفارق بين (الشئون الإدارية) و(الإدارة الاقتصادية) – فإنشاءُ المصانعِ الكبيرةِ لا يمكن أن يكون هدفاً في حد ذاته وإنما الهدفُ هو أن تكون ناجحة اقتصادياً. وقد أثبتت تجربة القطاع العام في العالمِ كلهِ ان مصطلحاتٍ مثل (الجدوى السياسية) و (الجدوى الاجتماعية) هي (مصطلحات مضللة) ؛ فكلُ مشروعٍ غير ذي جدوى اقتصادية ينتهي للانهيار وتنهار معه الجدوى السياسية والجدوى الاجتماعية . أن التحول من إقتصادٍ يقوم على التخطيط المركزي (اقتصاد اشتراكي) إلى اقتصاد السوق (اقتصاد حر) قد تم في السبعينات بارتجالٍ كبيرٍ ودون تخطيط علمي وبدون وجود كادرٍ بشري من القياداتِ التنفيذيةِ الإداريةِ العصريةِ القادرةِ على تحقيق المهمةِ المنشودة . أن السنواتِ من 1981 إلى 1991 كانت مشغولةً بما أُسميه (أعمال تحت الأرض) مثل مشروعات البنية التحتية والتي تكلفت أموالاً هائلة ووقتاً غير قصير وجهداً غير قليل دون أن تكون لها انعكاسات على المؤشرات الاقتصادية (وهو أمر منطقي) . أن السنوات من 1991 إلى 1997 شهدت العديدَ من الإصلاحات المالية مع وقدرٍ طيبٍ من الإصلاحات الاقتصادية مع تحسنٍ نسبيّ في بيئةِ الاستثمارِ أدى لوجودِ مؤشراتٍ اقتصاديةٍ ايجابية خلال سنوات هذه المرحلَة . أن السنوات من 1997 وحتى عام 2000 شهدت صعوباتٍ ومشكلاتٍ لا ينبغي المبالغة في حجمها كما لا ينبغي المبالغة في التهوين من شأنها . فالإصلاحُ الاقتصادي كان ولا يزال بحاجةٍ لاصلاحٍ إداريٍّ شاملٍ وفق خطة منهجيةٍ متكاملةٍ تؤدي لتغييرٍ جذري في حجمِ وطبيعيةِ دورِ الدولة إذ يقل هذا الدورُ حجماً ويزداد أهميةً ويتركّز في وضعِ السياساتِ ومراقبةِ تنفيذهاِ بروح تشبه دورَ الدولِة كما وصفه "اديناور" مستشار ألمانيا الاتحادية في أوائل الخمسينات وهو دور هام للغاية وله "بوصلة اجتماعية واضحة" . كذلك كانت هناك أخطاء في عمليات الإقراض ، وهي أخطاء لا تعالج بالتشهير الإعلامي والزج بالناس في السجون (ما لم توجد جرائم واضحة) وإنما تعالج باساليبٍ علميةٍ معروفةٍ إذ أن هذه المشكلة قد حدثت في العديدِ من الدول (ومن بينها دول متقدمة للغاية) وتم العلاجُ بأساليبٍ مصرفيةٍ علميةٍ وليس بالتشهير الإعلامي أو القبضة الأمنية (والمطلوبة في حدودها) . كذلك لا تزال "البيئةُ العامةٌ للاستثمار" في حاجةٍ لمزيدٍ من التنقية بهدفِ الوصول بها لنموذج مثالي مثل "نموذج دبي" . أما المشروعات الكبرى فإن من الغلط حديث البعض عن ايقافها وإنما ينبغي بذل الجهد في البحث عن طرق لاستمرارها باشكالٍ مختلفةٍ تقلل من العبء الذي تلقيه على الخزانةِ العامةِ . وباختصارٍ فان هناك "مشكلات" من المبالغة وصفها بأنها كمرضِ السرطان كما أن من المبالغة وصفها بانها "وعكة برد خفيفة" – ولكنها في كل الأحوال مشكلاتٌ تحدث في مسيراتِ التطويرِ الاقتصادي وحدثت عند الكثيرين وكلها قابل للدراسة والعلاج بما في ذلك مشكلة الديون المتعثرة . وقد ختمت دائماً كلامي في هذا الموضوع بتعبيرٍ رائعٍ سمعته من أستاذ مرموق للاقتصاد (وعضو حالي بمجلس الشورى) وهو الدكتور عادل بشاي خلاصته أن المشكلات الاقتصادية الحالية تحتاج لحلول إدارية (أي مستقاة من علوم ومناهج الإدارة العصرية المتقدمة ) وليس لحلولٍ عند أساتذة الاقتصاد. رابعاً : بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي : خامساً : كلينتون والاقتصاد الأمريكي : كانت تلك مجرد "خواطر رحلة" كتبت على عجل – أما كل ما قيل خلالها وكل الحوارات التي دارت أثنائها فمجالها (كما قلت) كتاب سيصدر خلال أسابيع متضمناً النصَ الكامل لأكثرِ من عشر محاضرات وما أعقب كل منها من حوارٍ وسجالٍ كان في غيرِ قليلٍ من الحالاتِ مشوباً (من الطرف الآخر) إما بحماس أو بغضبٍ !! (لاسيما عندما حاضرت مرة عن مخاطر كون "الولايات المتحدة" قوة هائلة بثقافةٍ مذهلةٍ في هشاشتها – وهو أمر بالغ الخطورة على "انسانية" مفاهيم مثل "الديموقراطية" و"حقوق الانسان" و"قبول الآخر" ) … ولكنه في كل الأحوال كان الحوارُ المطلوب في المكانِ المناسب ! وفي النهايةِ ، فأنني أود أن أذكر أن سعادتي بإلقاء محاضراتٍ بأكبر سبع جامعاتٍ أمريكية كانت لا تقارن بسعادتي بمحاضرةٍ أُخرى ولسببٍ آخر تماماً وذلك عندما وقفت لأُحاضر بجامعةِ ميريلاند في قسمِ للبحوثِ ودراساتِ الشرقِ الأوسط يحمل إسمَ الرئيس الراحل العظيم "أنور السادات ". |